محمد بن جرير الطبري
228
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
إثم عليه لمن اتقى " ، وقام قوله : " ومن تأخر فلا إثم عليه " ، مقامَ " القول " . وزعم بعضُ أهل العربية أنّ موضع طرْح الإثم في المتعجِّل ، فجُعل في المتأخر = وهو الذي أدَّى ولم يقصر = مثل ما جُعل على المقصِّر ، كما يقال في الكلام : " إن تصدقت سرًّا فحسنٌ ، وإن أظهرتَ فحسنٌ " ، وهما مختلفان ، لأن المتصدق علانية إذا لم يقصد الرياء فحسن ، وإن كان الإسرار أحسن . وليس في وصف حالتي المتصدقين بالحُسن وصف إحداهما بالإثم . وقد أخبر الله عز وجل عن النافرين بنفي الإثم عنهما ، ومحال أن ينفي عنهما إلا ما كان في تركه الإثم على ما تأوَّله قائلوا هذه المقالة . وفي إجماع الجميع على أنهما جميعًا لو تركا النفر وأقاما بمنىً لم يكونا آثمين ، ما يدل على فساد التأويل الذي تأوله من حكينا عنه هذا القول . وقال أيضًا : فيه وجهٌ آخر ، وهو معنى نهي الفريقين عن أن يُؤثِّم أحدُ الفريقين الآخر ، كأنه أراد بقوله : " فلا إثم عليه " ، لا يقل المتعجل للمتأخر : " أنت آثم " ، ولا المتأخر للمتعجل : " أنت آثم " ، بمعنى : فلا يؤثِّمنَّ أحدهما الآخر . وهذا أيضًا تأويل لقول جميع أهل التأويل مخالفٌ ، وكفى بذلك شاهدًا على خطئه . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 203 ) } قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : واتقوا الله أيها المؤمنون فيما فَرض عليكما من فرائضه ، فخافوه في تضييعها والتفريط فيها ، وفيما نهاكم عنه في حجكم ومناسككما أن ترتكبوه أو تأتوه وفيما كلفكم في إحرامكم لحجكم أن تقصِّروا في